النويري

215

نهاية الأرب في فنون الأدب

تردّوه علىّ أصبر لأمر اللَّه حتّى يحكم اللَّه بيني وبينكم » أو كما قال - صلى اللَّه عليه وسلم - . [ قالوا يا محمد « 1 » ] : فإن كنت غير قابل منّا شيئا ممّا عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ، ولا أقلّ ماء ولا أشدّ عيشا منّا ، فسل لنا ربّك الذي بعثك به فليسيّر عنّا هذه الجبال التي ضيقّت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق « 2 » لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصىّ بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول : أحقّ هو أم باطل ، فإن صدقوك وصنعت لنا ما سألناك عرفنا به منزلتك من اللَّه ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من اللَّه بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظَّكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر اللَّه حتّى يحكم اللَّه بيني وبينكم » . قالوا له : فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك ، سل ربّك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضّة يغنيك بها عما نراك تبتغى ، فإنّك تقوم بالأسواق كما نقوم ، وتلتمس المعاش كما نلتمس ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم ؛ فقال لهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربّه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن اللَّه بعثني بشيرا ونذيرا » ، - أو كما قال - « فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظَّكم

--> « 1 » تكملة عن ابن هشام يقتضيها سياق الكلام . « 2 » رواية ابن هشام « وليفجر » .